صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4858

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة ، فمن سلم من ذلك لم يكلّف بإزالته « 1 » . دوافع طول الأمل : قال الإمام الغزاليّ - رحمه اللّه - : اعلم أنّ طول الأمل له سببان ، أحدهما : الجهل ، والآخر : حبّ الدنيا . أمّا حبّ الدّنيا : فهو أنّه إذا أنس بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها ، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الّذي هو سبب مفارقتها ، وكلّ من كره شيئا دفعه عن نفسه . والإنسان مشغوف بالأمانيّ الباطلة ، فيمنّي نفسه أبدا بما يوافق مراده ، وإنّما يوافق مراده البقاء في الدّنيا ، فلا يزال يتوهمّه ويقدّره في نفسه ويقدّر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودوابّ وسائر أسباب الدّنيا ، فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه ، فيلهو عن ذكر الموت فلا يقدّر قربه ، فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوّف ووعد نفسه وقال : الأيّام بين يديك إلى أن تكبر ثمّ تتوب ، وإذا كبر فيقول : إلى أن تصير شيخا . فإذا صار شيخا قال : إلى أن تفرغ من بناء هذه الدّار وعمارة هذه الضّيعة . أو ترجع من هذه السّفرة ، أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازة وتدبير مسكن له ، أو تفرغ من قهر هذا العدوّ الّذي يشمت بك . فلا يزال يسوّف ويؤخّر ، ولا يخوض في شغل إلّا ويتعلّق بإتمام ذلك الشّغل عشرة أشغال أخر ، وهكذا على التّدريج يؤخّر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه المنيّة في وقت لم يحسبه ، فتطول عند ذلك حسرته ، وأكثر أهل النّار وصياحهم من سوف ، يقولون : واحزناه من سوف . والمسوّف المسكين لا يدري أنّ الّذي يدعوه إلى التّسويف اليوم هو معه غدا ، وإنّما يزداد بطول المدّة قوّة ورسوخا ، ويظنّ أنّه يتصوّر أن يكون للخائض في الدّنيا والحافظ لها فراغ قطّ وهيهات ، فما يفرغ منها إلّا من طرحها . فما قضى أحد منها لبانته وما انتهى أرب إلّا إلى أرب . وأصل هذه الأماني كلّها حبّ الدّنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحبب من أحببت فإنّك مفارقه » . وأمّا الجهل : فهو أنّ الإنسان قد يعوّل على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشّباب ، وليس يتفكّر المسكين أنّ مشايخ بلده لو عدّوا فكانوا أقلّ من عشر رجال البلد ، وإنّما قلّوا لأنّ الموت في الشّباب أكثر ، فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبيّ وشابّ . وقد يستبعد الموت لصحّته ويستبعد الموت فجأة ، ولا يدري أنّ ذلك غير بعيد ، وإن كان ذلك بعيدا ، فالمرض فجأة غير بعيد ، وكلّ مرض فإنّما يقع فجأة ، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا . ولو تفكّر هذا الغافل وعلم أنّ الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وربيع من ليل ونهار لعظم استشعاره واشتغل بالاستعداد له ، ولكنّ الجهل بهذه الأمور وحبّ الدّنيا دعواه إلى طول

--> ( 1 ) فتح الباري ( 11 / 241 ) .